الغزالي

174

إحياء علوم الدين

في السؤال وذمه ، تدل ظاهرا على أن التعفف عن السؤال أولى . وإطلاق القول فيه من غير ملاحظة الأحوال والأشخاص عسير . بل هو موكول إلى اجتهاد العبد ونظره لنفسه ، بأن يقايل ما يلقي في السؤال من المذلة وهتك المروءة ، والحاجة إلى التثقيل والالحاح ، بما يحصل من اشتغاله بالعلم والعمل من الفائدة له ولغيره . فرب شخص تكثر فائدة الخلق وفائدته في اشتغاله بالعلم أو العمل ، ويهون عليه بأدنى تعريض في السؤال تحصيل الكفاية . وربما يكون بالعكس . وربما يتقابل المطلوب والمحذور . فينبغي أن يستفتى المريد فيه قلبه وان أفتاه المفتون فان الفتاوى لا تحيط بتفاصيل الصور ودقائق الأحوال ولقد كان في السلف من له ثلاثمائة وستون صديقا ، ينزل على كل واحد منهم ليلة . ومنهم من له ثلاثون . وكانوا يشتغلون بالعبادة ، لعلمهم أن المتكلفين بهم يتقلدون منة من قبولهم لمبراتهم . فكان قبولهم لمبراتهم خيرا مضافا لهم إلى عباداتهم . فينبغي أن يدقق النظر في هذه الأمور فان أجر الآخذ كأجر المعطى ، مهما كان الآخذ يستعين به على الدين . والمعطى يعطيه عن طيب قلب . ومن اطلع على هذه المعاني أمكنه أن يتعرف حال نفسه . ويستوضح من قلبه ما هو الأفضل له بالإضافة إلى حاله ووقته فهذه قضيلة الكسب . وليكن العقد الذي به الاكتساب جامعا لأربعة أمور ، الصحة والعدل ، والإحسان ، والشفقة على الدين . ونحن نعقد في كل واحد بابا ، ونبتدئ بذكر أسباب الصحة في الباب الثاني . الباب الثاني ( في علم الكسب بطريق البيع والربا والسلم والإجارة والقراض والشركة ) ( وبيان شروط الشرع في صحة هذه التصرفات التي هي مدار المكاسب في الشرع ) اعلم أن تحصيل علم هذا الباب واجب على كل مسلم مكتسب . لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ، وانما هو طلب العلم المحتاج إليه . والمكتسب يحتاج إلى علم الكسب . ومهما حصل علم هذا الباب ، وقف على مفسدات المعاملة فيتقيها ، وما شذ عنه من الفروع المشكلة فيقع على